الشنقيطي
87
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
كقوله رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ( 89 ) [ الأعراف : 89 ] ، وعليه فهو حكم اللّه بقتل مقاتلة بني قريظة ، وسبي ذراريهم ، وإجلاء بني النّضير ، وقيل : هو فتح مكة ، وهو راجع إلى الأوّل . وبيّن تعالى في موضع آخر أنّ سبب حلفهم بالكذب للمسلمين ، أنّهم منهم ، إنّما هو الفرق أي الخوف ، وأنّهم لو وجدوا محّلا يستترون فيه عن المسلمين لسارعوا إليه ، لشدّة بغضهم للمسلمين ، وهو قوله : وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ( 56 ) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ( 57 ) [ التوبة : 56 - 57 ] ففي هذه الآية بيان سبب أيمان المنافقين ، ونظيرها قوله : اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً [ المجادلة : 16 ] . وبيّن تعالى في موضع آخر ، أنّهم يحلفون تلك الأيمان ليرضى عنهم المؤمنون ، وأنّهم إن رضوا عنهم ، فإنّ اللّه لا يرضى عنهم ، وهو قوله : يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 96 ) [ التوبة : 96 ] . وبيّن في موضع آخر : أنهم يريدون بأيمانهم إرضاء المؤمنين ، وإنّ اللّه ورسوله أحقّ بالإرضاء ، وهو قوله : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ( 62 ) [ التوبة : 62 ] . وبين في موضع آخر أنّهم يحلفون لهم ليرضوا عنهم ، بسبب أنّ لهم عذرا صحيحا ، وأنّ اللّه أمرهم بالإعراض عنهم ، لا لأنّ لهم عذرا صحيحا ، بل مع الإعلام بأنّهم رجس ، ومأواهم النار بسبب ما كسبوا من النفاق ، وهو قوله : سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 95 ) [ التوبة : 95 ] . وبيّن في موضع آخر . أنّ أيمانهم الكاذبة سبب لإهلاكهم أنفسهم وهو قوله : وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 42 ) [ التوبة : 52 ] الآية . وهذه الأسباب لحلف المنافقين الّتي ذكرت في هذه الآيات راجعة جميعا إلى السبب الأول ، الّذي هو الخوف ؛ لأنّ خوفهم من المؤمنين هو سبب رغبتهم في إرضائهم ، وإعراضهم عنهم بأن لا يؤذوهم ، ولذا حلفوا لهم ، ليرضوهم ، وليعرضوا عنهم ، خوفا من أذاهم ، كما هو ظاهر . تنبيه قوله في هذه الآية الكريمة : وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا فيه ثلاث قراءات سبعيات .